الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

206

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

المحكمة ويخفون أنفسهم في المواضع ووراء المتاريس وخلف الأسلحة ، ويسيطر عليهم الخوف ويهيمن عليهم الرعب ويملأ كل وجودهم ، والحقيقة أن المسلمين إذا جعلوا إيمانهم وقيمهم الإسلامية هي الأساس فإنهم منتصرون ومتفوقون على الأعداء بلا ريب . ولهذا السبب - واستمرارا لما ورد في نفس الآية - نستعرض سببا آخر من أسباب اندحار المنافقين ، حيث يقول سبحانه : تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون . " شتى " بمعنى ( شتيت ) أي متفرق . إن القرآن الكريم في تحليل المسائل بشكل دقيق جدا وملهم يؤكد على أن ( التفرقة والنفاق الداخلي ) وليدة ( الجهل وعدم المعرفة ) لأن الجهل عامل الشرك ، والشرك عامل للتفرقة ، والتفرقة تسبب الهزيمة . وبالعكس فإن " العلم " عامل لوحدة العقيدة والعمل والانسجام والاتفاق ، وهذه الصفات بحد ذاتها مصدر للانتصار . وهكذا فإن الانسجام الظاهري للعناصر غير المؤمنة والاتفاقيات العسكرية والاقتصادية يجب ألا تخدعنا أبدا ، لأن وراءها قلوب متناحرة متنافرة ، ودليلها واضح وهو انهماك كل منهم بمنافعه المادية بشكل شديد ، وبما أن المنافع غالبا ما تكون متعارضة ، فعندئذ تبرز الاختلافات والشحناء فيما بينهم ، ولن تغني عن ذلك العهود والاتفاقيات وشعارات الوحدة والانسجام الظاهري . في الوقت الذي تكون فيه وحدة وانسجام المؤمنين على قواعد وأصول ربانية كأصل الإيمان والتوحيد والقيم الإلهية ، وإذا أصيب المسلمون بانتكاسة في أعمالهم فإن ذلك دليل على ابتعادهم عن حقيقة الإيمان وما لم يعودوا إلى الإيمان فإن وضعهم لن يتحسن . * * *